20 سبتمبر 2008

إبن بطوطة.. الرحالة بمعنى الكلمة

"أهلا إبن بطوطة، أراك مساء في المقهى المجاور لملعب التنس بالمدينة، إلى اللقاء".
كان هذا مختصر اتصال صديق بي البارحة،
لكن، أنا لست إبن بطوطة!
بلى، الكثير يناديني بهذا الإسم، وآخرون يعتقدون أنني من أحفاده، أحدهم اتصل بهاتف البيت فقال: "هل إبن بطوطة موجود؟" أقنعه الأهل أن الرقم خطأ لأنهم لا يعرفون الحكاية :)

ذات يوم كان هناك اجتماع جمعوي بالرباط، لم أكن حاضرا، تم الإتفاق على تكوين بعض اللجن وكنت أنا ضمنها، لكن الحاضرين عوض أن يكتبوا إسمي الحقيقي عوّضوه ب"محمد إبن بطوطة"، اعتقدوا أن هذا هو اسمي.
حكاية هذا الإسم طويلة، سأتركها لتدوينة أخرى.

أما الآن، فموعدنا مع إبن بطوطة الرحالة، وليس أنا.
محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بإبن بطوطة، صاحب أشهر رحلة وأطولها زمانا ومكانا، و من لا يعرفه؟

خرج من طنجة يوم الخميس الثاني من رجب عام 725 هجرية، أي قبل 684 سنة. استغرقت رحلاته مجتمعة 29 سنة بما يفوق 120 ألف كلمتر، 120 ألف ليست بالقصيرة في زمن كان الجمل والحصان وسيلتا تنقل من الدرجة الأولى.

زار فيها الأندلس وشمال إفريقيا وصولا لمصر، غرب إفريقيا والصحراء الكبرى، الشرق الأوسط الخليج والعراق، سوريا تركيا إلى شرق أوربا، سريلانكا المالديف ووسط آسيا، بنغلاديش ميانمار والصين..
ليست مهمة سهلة أبدا!

كان يحب تقصي أخبار الأماكن التي يزورها والتعامل مع سكانها، تواصل مع السلاطين والحكام واندمج مع الشعوب مرات، فها هو قاض بالهند لسنتين ثم قاض مرة أخرى بالصين لسنة أخرى، فحاجّ لبيت الله الحرام ثم متوغّل في الصحراء، لا أحد يعرف ماذا يجول في رأسه ومخطط رحلاته.

ولد بطنجة وبها دفن، لكن أين؟

لم يكن سهلا العثور على قبره وإن كنت إبن مدينة طنجة، لكن وصلت إليه فاستغربت لقلة الإهتمام (الأصح عدم الإهتمام)، وغياب أية عناية برحّالة جاب العالم وبه عُرف المغرب لدى الكثير، أجزم أن 98% من سكّان طنجة لا يعرفون مكان دفنه أو وصلوا إليه يوما، لا يعرفون أية معلومة عنه سوى أنه كان رحالة جاب العالم وكفى الله المومنين شر القتال.

لو أخذته المنية ببكين التي أعجب بها، أو بغرناطة التي أبهرته لكان أفضل له، و لخصّصوا له متحفا ومعرضا بل وعرّفوا الجميع عليه، هذا أضعف الإيمان..

على أي،
هذه صورة للطريق المؤدية لقبر إبن بطوطة بالمدينة القديمة، تصوّروا أن إبن بطوطة مرّ من هنا قبل 700 سنة، وقريبا جدا من المكان توجد قبور فينيقية تجاوزت الألفي سنة، كأن الزمن يتوقف لمن يعرف قيمة هذه الأماكن:



هذا هو ضريح إبن بطوطة من الخارج، كانت المنطقة المحيطة حديقة تسكن بها عائلته، تغيّر المعمار قليلا باختفاء الحديقة وظهور منازل تزاحم الضريح، بل تلتصق معه جدارا عن جدار:

وهذا ضريح إبن بطوطة، هنا دفن في قلب مدينته التي أحبها واشتاق لها طوال رحلته، مساحة المكان أمتار معدودة وهناك متّسع للصلاة لمن أراد:

فقط!
لمن يريد معرفة المزيد عن إبن بطوطة ورحلاته، إليكم وثائقي من إنتاج قناة الBBC، وثائقي مميّز لصاحبه Tim Mackintosh-Smith، شاهدت الجزء الأوّل، و التتمة عمّا قريب:



الوثائقي يعرض تفاصيل مهمة، إذ يقوم Mackintosh-Smith بزيارة لعدة أماكن زارها إبن بطوطة، متقفيا أثره، ومتعاملا مع السكان المحليين، لكن أمور عدة لم تعجبني في الوثائقي أولها عدم اعتزاز المسلمين بدينهم (ويظهر هذا في تصّرفهم)، يقوم صاحب الوثائقي غير المسلم بتحية صاحب الفندق قائلا "السلام عليكم" فيرد عليه ب"Hi" ؟؟ نفس الأمر يتكرر مع بائع الملابس بمصر وبسائق السيارة والسفينة وصاحب الجمل، لا أحد يعرف ردّ السلام "وعليكم السلام"؟ فقط بعض البدويين في الطريق بين الإسكندرية والقاهرة ردّوا السلام، ما زال هناك من يعرف بعض أصول الحديث.

يقوم صاحب الوثائقي بالحديث بالعربية مع أحدهم فيقوم الأخير باستعراض "مهارته" في الإنگليزية، مبروك!

وممّا لم يعجبني أيضا إظهار الشرق الأوسط كمنطقة متخلفة من العصر الديناصوري، مقابل تقديم شرق آسيا كمنطقة متقدمة وحضارية. يظهر هذا جليا في المقدمة حينما يستعرض وصول إبن بطوطة للشرق فتظهر مناطق فقيرة، متسخة، ملوثة وبدوية.. مع استخدام الناقة والحمار ووجوه أشخاص لم يروا الحضارة أو سمعوا بها، في حين بعد ثواني يتم استعراض الصين التي زارها إبن بطوطة أيضا فتظهر العمارات والشوارع الأنيقة والوجوه النظيفة!

أيضا حينما تم اختصار المطبخ المغربي بأكمله، والذي يعدّ من بين ثلاثة مطابخ الأكثر تنوّعا في العالم، تم اختصاره في وجبة رؤوس ماعز من عند مجزرة متّسخة ومقرفة! منذ متى كانت رؤوس الماعز وجبة رئيسية ولا حتى ثانوية لسكان طنجة؟ أعطوني مطعما واحدا فقط يقدم هذه الوجبة.

دخول مقدم الوثائقي للمسجد وتحدثه بالعربية كان كافيا لأن يحوّلوه لمسلم رغما عنه، يعني كل من يتحدث العربية مسلم؟ ولا ندخر أي جهد في التأكد من أمور شخصية تمس بالمعتقد؟ أمر غريب.
على أي،
كفى، يبدو أنني انتقدت الوثائقي كثيرا :)

لنعد لإبن بطوطة،
كما هو معروف، له كتاب يجمع سائر ما شاهده في رحلته، في الواقع ليس هو مؤلف الكتاب، بل أملاه شفويا على محمد بن جزي الكلبي وسمّاه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، إليكم اقتباسا من الكتاب يصف فيه المسجد الحرام، وفقنا الله للحج إليه وزيارته:

والمسجد الحرام في وسط البلد. وهو متسع الساحة. طوله من شرق إلى غرب أزيد من أربعمائة ذراع، حكى ذلك الأزرقي، وعرضه يقرب من ذلك. والكعبة العظمى في وسطه. ومنظره بديع. ومرآه جميل. لا يتعاطى اللسان وصف بدائعه، ولا يحيط الواصف بحسن كماله. وارتفاع حيطانه نحو عشرين ذراعا؛ وسقفه على أعمدة طوال مصطفة ثلاثة صفوف، بأتقن صناعة وأجملها. وقد انتظمت بلاطاته الثلاثة انتظاما عجيبا كأنها بلاط واحد وعدد سواريه الرخامية أربعمائة وإحدى وتسعون سارية ما عدا الجصية التي في دار الندرة المزيدة في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ في الشمال. ويقابلها المقام مع الركن العراقي.

و لمن أراد قراءة الكتاب كاملا فهو متوفر في ويكيبيديا على جزئين: الجزء الأول والجزء الثاني.
قراءة ممتعة :)







تعليقات فيسبوك:


هناك 6 تعليقات:

  1. نعم ابن بطوطة وما ادراك ما ابن بطوطة
    من الرجال القلائل الد ين صنعوا تاريخ هدا البلد العزيز وكان مصيرهم التهم يش والتهميش ولا شيء غير دلك بينما يحظى ابناء اللصوص بالتكريمات اليومية لما انج زوه من سرقات واختلاسات لاموال الشعب

    تقبل مروري اخي محمد

    عزيز ابن بلدك

    ردحذف
  2. شكرا لك أخي محمد على هذا التعريف. تاريخنا الإسلامي فيه شخصيات عظيمة لا نعرف عنها شيئ. كما قلت، لو أنه عاش في فرنسا لصنعوا له تمثالا.

    جميل هذا الرجل بطموحه الذي جعله يجوب العالم و يخرج عن التقوقع الذي يعاني منه معظمنا. حب الإستكشاف و التعرف على الآخرين بل شك سيجعل الآخرون يفهموننا و يحترموننا كأمة عربية و إسلامية.

    عندما يجدون في رجال كإبن بطوطة هذا الطموح و الإجتهاد سيحترمونه و سيحترمون البلد الذي أتى منه و سيحترمون معتقده، و ماذا بعد؟

    ردحذف
  3. الرحالتان محمد بن بطوطة و أحمد بن فضلان
    هم من الذين يفتخر العالم الإسلامي بهم، وإن لم يبدو ذلك.

    أتمنى أن أقوم برحلة كرحتلهم ذات يوم..

    شكراً لك!

    ردحذف
  4. كم أنت محظوظ أخي محمد بأكون يكون إبن بطوطة قد ولد وتوفي في مدينتك. وأشعر بأن هناك صلة قرابة بينك وبين إبن بطوطة. وهذا الشعور نابع من مواضيعك السابقة في مدونتك.

    لا تغضب أخي محمد من حال المسلمين في الشرق، كما عرض في الفيلم الوثائقي. فأنا على سبيل المثال، ذهبت إلى ماليزيا شاهدت العجب العجاب فيهم. لا اقدر كيف أوصف لك كيف معانقة التطور والتكنولوجيا بالإسلام. كانت التجربة رائعة.

    ولا تنسى إن الصناعات الحديثة تصنع في آسيا. وهذا دليل على مدى وعي الشعب الأسيوي ومدى إحترامهم للعمل.

    ولكن... ما أجمل الأزقة في طنجة وباليمن وبإسكندرية، فلولاها، لما أتو الأجانب!

    ردحذف
  5. والله حدث لي نفس الشيء..
    زرت قبر ابن بطوطة قبل سنتين ربما ، و استغربت كثييييييرا كيف هو مهمش ، والروييييينة حتى وصلنا الى قبره ، الطريق أشبه بمتاهة ، وكنت أتصور أنني عندما سأصل الى ضريحه سأجد ضريحا يليق بالمقام ، لكنني صدمت فعلا

    ردحذف
  6. احب اشارك معاكم موقع متخصص في اعمال الحديد والاستانلس
    ايه رايكم فيه؟
    http://decor-ksa.com/

    ردحذف

مدونة محمد أعمروشا مدوّنة شخصية في قالب مغربي، عن السفر، الهوايات وتجارب الحياة. أنشر فيها آرائي فيما يخصّ المنطقة العربية، التقنية وأحيانا تفاصيل حياتي الشخصية :)