01 أبريل 2011

عن احتقار الهوية المغربية

متابعة سريعة لحوارات المغاربة في القنوات العربية كافية لإبراز عقدة يعاني منها المغاربة، أو معظمهم: يسأل المقدّم الإخباري فلانا باللغة العربية، المفترض أن يجيبه المغربي بلسان عربي مبين. الواقع يقول إنّ الكثير دون مستوى الحديث بالعربية الفصحى (لسبب أو لآخر)، ما العمل إذن؟ الحلّ أن يتحدّث المغربي بالسورية أو المصرية أو الخليجية أو حتى لهجة جزر القمر إن وجد إليها سبيلا!

أتفهّم أنّ الكثير من أبناء بلدي غير معتاد على الحديث باللغة العربية المعاصرة، لكن ما لا أفهمه: لم يخجلون من الحديث باللهجة المغربية؟ لماذا نخفي هويتنا كأنّها العار والذلّ؟

الأسوأ من هذا هو أن يتحدّث المضيف باللهجة المصرية (مثلا)، في برنامج معيّن، فيسايره ضيفه المغربي بلهجة مصرية مكسّرة (وقد تكون متقنة). كأنّ الآخر يفترض أنّ لسانه هو الأسمى وعلى المغربي أن يسايره في لهجته، وطبعا يخضع المغربي بسهولة لقواعد اللعبة بشكل يثير استيائي الشديد.

على أيّ، ليت المصيبة كانت محصورة في الإعلام! يصل الأجنبي للمغرب ويعيش بيننا شهورا إن لم تكن سنوات، يغادر المغرب ولا يعرف من العربية المغربية إلّا "شكرا، السلام عليكم، مشحال فلوس؟ درهم، بزاف، بسم الله"، والسلام على بقية الكلمات! هذا إن كان محظوظا.

لِم يحصل هذا؟ أينما حلّ الأجنبي فلا أحد يحدّثه بالعربية: إن كان فرنسيا استعرض الجميع عضلاته في لغة موليير، وإن كان إسبانيا فالجميع يظنّ نفسه قادرا على التعبير بها، حتى لو كان الأجنبي من الصين فلن يعدم مغربيا يحاول التواصل معه، بغير العربية.

المشكلة أنّ بعض الأجانب يحاولون تعلّم لهجتنا فلا يحسّون بأيّ دعم شعبي أو تشجيع يحثّهم على الاستمرار في هاته الطريق. أحد الأصدقاء الأجانب أكمل سنته الثالثة في المغرب مؤخّرا، وطبعا لا يعرف من اللهجة المغربية إلّا بضع كلمات، رغم محاولته الاندماج في المجتمع المغربي، لماذا؟ يقول إنّه وبمجرّد ما يكتشف الآخرون أنّه أجنبي يبادرونه بالحديث بالفرنسية، فلا يضطرّ لتعلّم العربية! وحتى حينما يحاول استخدام كلمات عربية لا يلقى أيّ تجاوب. كمثال بسيط: يبدأ حديثه ب"سلام عليكم"، وبمجرّد ما أن يسمع الكثير "سلامو آليكوم" هاته حتى يكتشفون أنّه غير مغربي، النتيجة: "Hi, Salut, Bonjour, Hola..."، أين هي "وعليكم السلام، مرحبا بيك"؟

طبعا لا أدعو للإنغلاق على الهوية المغربية وعدم التواصل مع الأجانب بما يجعله تواصلا سهلا، لكن بدون مبالغة! نعم لتعلّم اللغات الأوربية ولا بأس بإتقان اللهجات المشرقية (البركة في مهنّد وعبد الحليم حافظ وبقية اللائحة، قايمين بالواجب وزيادة)، لكن لا بأس أيضا بالاعتزاز بالهوية المغربية وإبرازها متى اقتضى الحال ذلك.

ربّما مرّت خمس أو ستّ سنوات على استقرار أحد الأجانب هنا بالمغرب، كان عليّ أن أعرّفه على عادات المجتمع المغربي، وقبل هذا تعليمه الدارجة المغربية، حسنا، النتيجة أنّه لحدّ الآن لا يجيد الحديث باللهجة المغربية! هو مجدّ ومصرّ بما يكفي ليتعلّم، وأنا أمضيت معه الساعات الطوال فما المشكلة؟ بكل بساطة: لا يلقى أيّ دعم ولا حماس من المجتمع..

أمّا حكاية المغاربة الذين يغادرون البلد لدولة أوربية فحكاية أخرى: فلان وُلد وترعرع وشبّ في حيّ شعبي وسط مدينة مغربية، المؤكّد أنّه لم يكن يتحدّث غير اللهجة المغربية، واحتمال كبير أنّه لم يكن يجيد أيّ لغة أجنبية. هاجر صاحبنا لدولة أوربية وغاب 11 شهرا، إنّها العطلة الصيفية؛ فرصة للعودة لأرض الوطن ولقاء الأهل والأحباب، وهي فرصة أيضا لتلقّي بعض الصدمات:
  • 11 شهرا كانت كافية لينسى صاحبنا اللهجة المغربية، المسكين! صار نصف حديثه مصطلحات إسبانية أو فرنسية والنصف الآخر لهجة مغربية بلسان معوجّ..
  • أوه، لم يكن من بين جيرانه وأصدقائه مغاربة، لذلك فلم يكن يتحدّث باللهجة المغربية، صدّقناك!
  • طبعا هناك احتمال أن يعود بشعر منفوش وشبه سروال وحلقات في الأذن، وهذا موضوع آخر.

آخ، لو أمضيت 50 سنة في القطب الشمالي وعدت للمغرب فلن أتظاهر بنسياني للسان بلادي..









تعليقات فيسبوك:


هناك 6 تعليقات:

  1. لو أمضيتَ 50 سنة في القطب الشمالي لتجمد لسانك ولن تعود له أصلا القدرة على الحركة كي تتكلم لووول

    ردحذف
  2. والطامة الكبرى هي عندما يجتمع مبعوث الامم للصحراء ووزير الخارجية الاول كيهضر اللغة العربية الفصحى والتاني مسكين غي خطاو فيه وسماوه مغربي دار تصريح بالفرنسية
    الله بلعن اللي ما يحشم

    ردحذف
  3. مشكل عويص اخي محمد
    هناك من يقول ان دارجتنا "شويا صعيبة"وحرشة وحتى في اقطار الدول الاخرى فإن المخاربة يحاولون التكلم بلين "اللغة المشرقية" وعدم اظهار اللغة الحرشة

    هذا حال صعب وقل لمست الصواب بتوينتك هاته
    لا حل :s
    كنت هنا سلام

    ردحذف
  4. جاء موضوعك ليكمل ما بدأت كتابته قبل أيام، عن أهمية اللغة العربية وواقعها في أوروبا، أشاطرك الرأي، إنها فعلا مأساة حقيقية، تمس شعبنا المغربي أكثر من غيره، فأغلب الأتراك والأفارقة والهنود وغيرهم هنا بفرنسا قل من تجد منهم يتنكر للغته، عكس المغاربة الذين يتنصلون منها وكأنها عار عليهم.
    هذا لا ينفي اختلاف لهجتنا عن المشارقة وصعوبة فهمها أحيانا، لكن في هذه الحالة أحبذ التكلم بالعربية الفصحى ليكون الأمر أسهل..

    تحية لك ولتدوينتك المميزة

    ردحذف
  5. يعتقد أنه عليه أن يشابه محاورَه لكي برتقي إلى مرتبته.. كل هذا مدعوم نسبياً من طرف الإعلام الذي يوحي ضمنياً بأن الفرنسية هي لغة الأسياد..

    ردحذف
  6. يأتي عندي زبون إسباني يتكلم 7 لغات الفرنسية البرتغالية الإسبانية الألمانية اللاتينية القديمة الإنجليزية
    يقول لي لاباااش بخيير الل يعون وبعض المفردات الأخرى إشترى سلسلة لتعلم الدارجة بها 10 أقراص كل واحد ب 300 أورو وقال لي أكبر خطأ إرتكبه في حياته هو أنه يزور المغرب منذ 60 سنة لأن عمره الآن 73 سنة ومع ذلك لم يتعلم اللهجة المغربية وبعدها العربية !!

    ردحذف

مدونة محمد أعمروشا مدوّنة شخصية في قالب مغربي، عن السفر، الهوايات وتجارب الحياة. أنشر فيها آرائي فيما يخصّ المنطقة العربية، التقنية وأحيانا تفاصيل حياتي الشخصية :)