11 مارس 2012

مؤشّر الخدمات الإلكترونية، أيّ نكتة هاته؟

قرأت مؤخّرا خبرا عن تقدّم المغرب ب48 درجة (مرّة واحدة) في مؤشّر الخدمات الإلكترونية ليصل للرتبة 56 عالميا، متقدّما على دول عديدة كجنوب إفريقيا، الهند، تركيا وتونس!
وطبعا نال الخبر نصيبه من الإستنساخ بين المواقع الإخبارية المغربية، كما العادة. صيغة المعلومات تلك مذكورة في بيان رسمي لمؤسسة حكومية مغربية (الإنتقال من المرتبة 104 إلى 56، موقع الوكالة المغربية لتنمية الإستثمارات).

مبدئيا، واضح وضوح الشمس أنّ الخبر فيه شوية توابل ومبالغات، إلّا إن كنّا نحن معشر الرعية (قصدي المواطنون) نعيش في جنّة الخدمات الإلكترونية ونحن لا ندري! وحسب البيان ففي سنتين تجاوزنا تركيا، الهند، جنوب إفريقيا و40 دولة أخرى، يا ترى أين سنجد أنفسنا السنة المقبلة؟ الجواب: لقد تجاوزنا فرنسا وصرنا نزاحم كوريا الجنوبية ونيوزيلندا على المراتب الأولى في الخدمات الإلكترونية! (يمكن أن أبلع الخبر لو كان في تخصّص آخر مثل إنتاج الطماطم، تسويق الحشيش في أوربا أو عدد حوادث السير. لكن خدمات إلكترونية؟ هذه قوية!)

مسؤولونا يجيدون مهمة التلاعب بالإحصائيات؛ يمكن للتراجع أن يتحوّل لتقدّم ملموس بسهولة، ويمكن لتقدّم دول أخرى أن يبدو تراجعا حادّا منذرا بكارثة. سأوضّح هذه النقطة عبر مثال بسيط جدّا. الجدول أدناه لترتيب الدول حسب جودة التعليم (مثلا، أرقام اعتباطية فقط لغرض الشرح). في ظرف سنتين، فرنسا تقدّمت نقطتين، ألمانيا مستقرّة، تراجع المغرب 3 نقط وأيضا تراجعت إفريقيا ب7 نقط.





المعلومة الواضحة عن تراجع المغرب 3 نقط لن يتمّ ذكرها، في المقابل سنقرأ أخبارا كما يلي:

  • تقدّم ملموس للمغرب ب4 نقط جعله يتجاوز متوسّط جودة التعليم في إفريقيا في ظرف سنتين. ففي الوقت الذي كان فيه المغرب متخلّفا عن ركب الدول الإفريقية بنقطتين في 2010، تجاوز المغرب متوسّط الدول الإفريقية بنقطتين في ظرف سنتين فقط.
  • في الوقت الذي لم تفلح فيه ألمانيا في تحسين مؤشّر جودة التعليم عندها، وبالكاد نجحت فرنسا في التقدّم نقطتين. حقّق المغرب تقدّما ب4 نقط على الصعيد الإفريقي متجاوزا المتوسّط العام لإفريقيا بنقطتين.
  • اعتمادا على التقدّم الحاصل حاليا سيتجاوز المغرب متوسّط الدول الآسيوية في ظرف 5 سنوات.
هذه "القصاصات الإخبارية" الثلاث واردة جدّا، تحوي معلومات إحصائية تعتمد على الجدول الصغير أعلاه، غير أنّها تحوي نصف الحقيقة. القصاصة الأولى سياسة إخفاء أيّ تراجع عن طريق مقارنته بتراجع أسوأ، لنفترض أنّك في سباق سيّارات ثم حصل عطب في سيّارتك جعلتك تتراجع بسرعة. غير بعيد عنك متسابق متراجع بدوره أيضا، لكن لأنّ تراجعك قويّ فستراه يبتعد عنك للأمام، أي يتقدّم! هذا ما ستخبرك به بيانات الحكومة بالضبط :) (إفريقيا تراجعت ب7 نقط والمغرب ب3، إذن المغرب متقدّم ب4 نقط عن إفريقيا!) تخيّل سباق السيارات ذاك لتفهم اللعبة. المعلومة الحقيقية هي ما يراه الجمهور: كلاكما يتراجع يا أعزّائي..

القصاصة الثانية سياسة المقارنات اللامنطقية، مقارنة ما لا يقارن متى ما دعت الضرورة لذلك. كمثال عملي: يتوقّع الخبراء نموّ الإقتصاد الأمريكي ب2% في 2012، نفس الخبراء يتوقّعون نموّ الإقتصاد المغربي ب8%. هل هذا يعني أنّ اقتصاد المغرب أقوى 4 مرّات من الولايات المتّحدة كما قد يبدو من أوّل وهلة؟ (نموّ اقتصاد قطر 20% مثلا). الواقع أنّ 2% الأمريكية أخطبوط ضخم أمام 4% السردينة المغربية و20% الجمبري القطري :)

القصاصة الثالثة نكتة افتراضات وتوقّعات قائمة على خيال واسع. أرى أمامي طفلا تشاجر مع أقرانه فصرخ: "سأصبح كبيرا بعد خمس سنوات وسأضربكم/أنتصر عليكم جميعا!" يا أيّها السنفور الصغير هل تظنّ نفسك الوحيد الذي سيكبر والآخرون سيبقون صغارا ينتظرونك؟

على أيّ، يبدو أنّني ابتعدت كثيرا عن موضوع مؤشّر الخدمات الإلكترونية!
رغبت في توضيح بعض التلاعب الحاصل في الإحصائيات (لأهداف متعدّدة)، ذكرت تلاعبا بسيطا ومبدئيا، أصحاب الحرفة أدرى :)

الخبر لا يشير لإسم تقرير الأمم المتّحدة مباشرة ولا لصفحة التقرير (موقع إنترنت الأمم المتّحدة) لمعرفة المزيد عن الموضوع. أوّل تساؤل: لم إخفاء هذا؟ المهم، بحثت عن التقرير ووجدته: E-Government Survey 2012، موقع الأمم المتحدة.

المفاجآت، أي المعلومات المخفية التي لم تذكرها القصاصات الإخبارية أو المواقع الحكومية:
  • في 2010، كان ترتيب المغرب في مؤشّر الحكومة الإلكترونية E-government development index هو 126، ثم في 2012 انتقل للمرتبة 120 على الصعيد العالمي (صفحة 15 من التقرير، جدول 1.5).
  • مؤشّر الخدمات الإلكترونية Online service index لا يرتّب الدول بل يعطي تقييما للدولة من 0 ل1، ويرتّب الدول تناقصيا. بمعنى: حكاية الرتبة 56 في مؤشّر الخدمات الإلكترونية كذبة كبيرة (أصلا التقرير لا يشير لأيّ مرتبة 56 يحتلّها المغرب في أيّ مجال، سواء سابقا أو حاليا. التقرير يشير في عدّة أماكن لرتب فوق ال100 للمغرب).
  • مؤشّر الخدمات الإلكترونية يمنح المغرب المؤشّر 0.5425 (في سلّم ما بين 0 و1)، إذا حسبنا عدد الدول الموجودة فوق المغرب في جدول صفحة 128 فسنجدها 56 دولة بالضبط! من هنا أتى الرقم العجيب :) اجتهاد حسابي من معدّ النسخة المغربية من التقرير. تواجد المغرب في الرتبة 56 (حسابيا) في تلك القائمة لا يعني أنّ المغرب في الرتبة 56 عالميا. بكلّ بساطة الجدول ذاك ليس لترتيب الدول (هناك 3 دول بمؤشّر 1، 3 دول في نفس مؤشّر المغرب و4 دول في المؤشّر الموالي وهكذا).
  • الطريف في الموضوع أنّ المؤشّر 0.5425 (والذي اعتمد عليه عباقرتنا لاختراع الرقم 56) هو نقطة سلبية وليس إيجابية! لأنّ هذه النقطة تعني أنّ المغرب لديه مواقع إلكترونية حكومية (تقييم 100%، مثلنا مثل أوغندا مثلا التي لديها نفس التقييم)، لكن المواقع تلك لا تستجيب لحاجيات المواطنين ولا توفّر لهم خدمات حقيقية (تقييم 62%، 29% و43%). من أراد التفاصيل فليرجع لطريقة احتساب المؤشّر صفحة 120، وليسقط الطريقة على نتائج المغرب.
  • الصفحتين 126 و127 تحويان الجدول الكامل لترتيب الدول (Country + Rank)، هناك بكلّ وضوح: المغرب: المرتبة 120، خلف تركيا ب40 نقطة، خلف جنوب إفريقيا ب19 نقطة وخلف تونس ب17 درجة! يا سلام! ألم أقل إنّ لدينا خبراء في التلاعب بالإحصائيات إذ أخبرونا أنّ المغرب متقدّم عن كلّ هاته الدول؟
ختاما، كلّ عام وأنتم بخدمات إلكترونية في المستوى :)









تعليقات فيسبوك:


هناك 8 تعليقات:

  1. ضربت بالثقيل اليوم اخي محمد ، اعجبني المثال التوضيخي الأخير هههه تحليل رائع و جد فعال ، بوركت

    ردحذف
  2. آالسي محمد واش ما بقا حتى واحد يضحك معاكم ؟؟
    يا لطيف حتى من أراد اللعب أو الضحك " تهجروه ليه "
    على العموم مقالك جمع بين النقد الهادف والتفسير الواضح واستفدت منه شخصيا
    بورك السعي يا محمد

    ردحذف
  3. مجهود مبارك
    نوّرك الله كما أنرت عقولنا

    ردحذف
  4. شكرًا محمد.

    ثمة خبر آخر عن هزالة تأثير الإنترنت على الإقتصاد المغربي، وهو ما يؤكد على ضعف خدمات الإلكترونية في المغرب، سواء ما تعلق منها بالإدارة أو بالتنمية: http://www.almassae.press.ma/node/42194

    ردحذف
  5. يبدو أنك بذلت مجهودا كبيرا في كشف لعبة الاحصائيات المضحكة
    ليت صوتك يصل لمن يهمهم الأمر

    ردحذف
  6. مجهود رائع تشكر عليه

    ردحذف

مدونة محمد أعمروشا مدوّنة شخصية في قالب مغربي، عن السفر، الهوايات وتجارب الحياة. أنشر فيها آرائي فيما يخصّ المنطقة العربية، التقنية وأحيانا تفاصيل حياتي الشخصية :)